السيد كمال الحيدري
239
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
من المنطقي أن يأخذ هذا الفهم بيد الإنسان وهو يدفع به لخوض غمار الحياة والتوغّل في أعماقها باحثاً ومنقّباً عن هذه السنن والنواميس التي أودعها ربّ العزّة والجلال في الأشياء تكويناً ، لكي تشرق الحياة بإنجازات تجىء على عين الله وفى ظلّ توجيهه . التفسير العلّى للقدر يستحثّ الإنسان ويحرّضه لكي يكون في صميم حركة الحياة أبداً باذلًا جهده في اكتشاف مبادئ وأصول ومكوّنات المجتمع والتأريخ والواقع لكي يتلمّس طريقه على بصيرة ، يحذر المنزلقات بمعرفة سنن الله وكلماته . والتفسير السببى للقدر يضع الإنسان في قلب الطبيعة باحثاً عن أسرارها وعن القوانين التي تنتظم العلوم الطبيعية والمادّية ، حتّى يوظّفها لحياته ويحقّق من المكاسب على قدر سعيه . التفسير العلّى السببى للقدر يضع الإنسانية برمّتها « على خط سيطرة الإنسان على الكون والطبيعة ( وهذا الخطّ متطوّر قبل الإسلام وبعد الإسلام ، ولن يقف عند مرحلة من المراحل على الإطلاق . والإنسان لن تقف سيطرته بإذن الله جلّ جلاله عند مرحلة من مراحل الاستيلاء على الكون والطبيعة . إن انتهى استيلاؤه على الأرض سوف يفكّر بالاستيلاء على السماء ، في الاستيلاء على كلّ أبعاد الكون ، إذن فهو في نموّ مستمرّ لا ينقطع ولا توضع له حدود معترضة من هذه الناحية » « 1 » . القضاء والقدر بمفهومهما العلّى السننى يفجّران طاقات الإنسان واستعداداته المكنونة ويحرّضانه على اقتحام الحياة والطبيعة بمعرفة وبصيرة ، بحيث يأخذ نصيبه من هذه الحياة على قدر سعيه ومعرفته وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا
--> ( 1 ) أهلالبيت تنوّع أدوار ووحدة هدف ، محمدباقر الصدر ، دار التعارف للمطبوعات بيروت ، ص 42 حيث يقدّم الصدر تصوّراً من ثلاثة خطوط تتطوّر على ضوئها الإنسانية ، الخطّ الثالث منها هو خطّ التعامل مع الطبيعة على أساس سببي . وهذا الخطّ مبذول لمطلق الإنسان شرقاً وغرباً ، مسلماً كان أم كافراً ، وساميّاً كان أم آريّاً .